محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

آثمة فإنما إثمها عليها . وقد بينا تأويل ذلك باختلاف أهل العلم فيه فيما مضى قبل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا أبو مالك الجنبي ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي مالك الغفاري في قوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى إلى قوله : مِنَ النُّذُرِ الْأُولى قال : هذا في صحف إبراهيم وموسى . وإنما عني بقوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة ، يقول : ألم يخبر قائل هذا القول ، وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب : أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى يقول جل ثناؤه : أو لم ينبأ أنه لا يجازي عامل إلا بعمله ، خيرا كان ذلك أو شرا . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وقرا إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى قال : أعمالكم . وذكر عن ابن عباس أنه قال : هذه الآية منسوخة . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى قال : فأنزل الله بعد هذا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فأدخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى . . . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى قوله جل ثناؤه : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى يقول تعالى ذكره : وأن عمل كل عامل سوف يراه يوم القيامة ، من ورد القيامة بالجزاء الذي يجازى عليه ، خيرا كان أو شرا ، لا يؤاخذ بعقوبة ذنب غير عامله ، ولا يثاب على صالح عمله عامل غيره . وإنما عني بذلك : الذي رجع عن إسلامه بضمان صاحبه له أن يتحمل عنه العذاب ، أن ضمانه ذلك لا ينفعه ، ولا يغني عنه يوم القيامة شيئا ، لأن كل عامل فبعمله مأخوذ . وقوله : ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى يقول تعالى ذكره : ثم يثاب بسعيه ذلك الثواب الأوفى . وإنما قال جل ثناؤه الْأَوْفى لأنه أوفى ما وعد خلقه عليه من الجزاء ، والهاء في قوله : ثُمَّ يُجْزاهُ من ذكر السعي ، وعليه عادت . وقوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : وأن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم ، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم ، صالحهم وطالحهم ، ومحسنهم ومسيئهم . وقوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى يقول تعالى ذكره : وأن ربك هو أضحك أهل الجنة في الجنة بدخولهم إياها ، وأبكى أهل النار في النار بدخولهموها ، وأضحك من شاء من أهل الدنيا ، وأبكى من أراد أن يبكيه منهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ . . . الْأُخْرى يقول تعالى ذكره : وأنه هو أمات من مات من خلقه ، وهو أحيا من حيي منهم . وعنى بقوله : أَحْيا نفخ الروح في النطفة الميتة ، فجعلها حية بتصييره الروح فيها . وقوله : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى يقول تعالى ذكره : وأنه ابتدع إنشاء الزوجين الذكر والأنثى ، وجعلهما زوجين ، لأن الذكر زوج الأنثى ، والأنثى له زوج فهما زوجان ، يكون كل واحد منهما زوجا للآخر . وقوله : مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى و " من " من صلة خلق يقول تعالى ذكره : خلق ذلك من نطفة إذا أمناه الرجل والمرأة . وقوله : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى يقول تعالى ذكره : وأن على ربك يا محمد أن يخلق هذين الزوجين بعد مماتهم ، وبلاهم في قبورهم الخلق الآخر ، وذلك إعادتهم أحياء خلقا جديدا ، كما كانوا قبل مماتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى . . . فَما أَبْقى يقول تعالى ذكره : وأن ربك هو أغنى من أغنى من خلقه بالمال وأقناه ، فجعل له قنية أصول أموال . واختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني